الشيخ محمد هادي معرفة

101

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

وقد رأينا أنّ بني إسرائيل قد توارثوا حبّ جمع المال ينتقل فيهم جيلًا بعد جيل ، وشاهدنا العرب الرُحَّل وقد كرهوا سكنى المدن وعرفوا بحبّ الخيام ، يتوارث الأبناء منهم ذلك عن الآباء . وهذه أدلّة على أنّ الوراثة تنتقل من الآباء إلى الأبناء ، وأنّ هذه الوراثة جسمانية وعقلية ونفسية . فكما تتجلّى في الجسم في خلقته وقامته وصورته وحركاته تتجلّى في العقل نموّه أو ضعفه وصحّته أو مرضه ، وذكائه أو بلاهته ، وتتجلّى كذلك في النفس في صفاتها وسجاياها وغرائزها وطباعها . هذا وقد رأينا أنّ النطفة هي العامل في ذلك والناقل لما في الأب إلى نسله ، وحيث إنّ الدين الإسلامي قد ألمّ من قبل بتأثير الوراثة . فقد عبَّر القرآن الكريم عن النطفة بأنّها أمشاج . . . « أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ » . « 1 » وكلّما تعمّقنا في الدراسة ظهرت لنا حقيقة قوله تعالى : « ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ » « 2 » و « ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ » . « 3 » والقرار المكين هو رحم المرأة ، وحقّا إنّه لقرار مكين ، إذ تربطه ألياف قوية في موضعه ، وتثبته أربطة متينة ، ويحمله حوض من عظام متينة ، ففوقه الحجبتان ، وعلى جانبيه الحرقفتان ، وعظام العجز والعصعص من خلف له ساندان ، ثمّ إنّه ليغطّى من أعلى بالمثانة ومن أسفل بالمستقيم ! ! ثمّ نتأمّل كيف بُني جداره ، وقوي إزاره ، وتتالت عضلاته ، وتكاثرت انحناءاته ، وتجوّف داخله ؟ ثمّ كيف تقسّم هيكله إلى جزء أقلّ حجما من الأول ، وهو عنق الرحم ؟ ثمّ نتأمّل كيف تكوّن وتركّب من ثلاث طبقات : طبقة بريتونية ، وطبقة أخرى عضلية ، وغشاء مخاطي ؟ ثمّ كيف تكوّنت الطبقة العضلية أيضا من ثلاث طبقات : فالأولى سطحية ضفيرية الشكل ، والثانية غائرة سميكة مكوّنة من ألياف حلقية ، والثالثة موجودة بين

--> ( 1 ) - الملك 14 : 67 . ( 2 ) - الأنعام 38 : 6 . ( 3 ) - المؤمنون 13 : 23 .